الشيخ محمد رشيد رضا

398

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي جعله بصيغة الخطاب له - وهو اعدل الناس وأكملهم - مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة من الحكام ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً اي من اعتاد الخيانة والف الاثم فلم يعد ينفر منه ، ولا يخاف العقاب الإلهي عليه ، فيراقبه فيه ، وانما يحب اللّه أهل الأمانة والاستقامة * * * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ أي ان شأن هؤلاء الخوانين الراسخين في الاثم انهم يستترون من الناس عند ارتكاب خيانتهم واجتراحهم الإثم لأنهم يخافون ضرهم ، ولا يستترون من اللّه تعالى بتركه لأنهم لا إيمان لهم ، إذ الايمان يمنع من الاصرار والتكرار ، ولا تقع الخيانة من صاحبه الا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم ولا تتكرر حتى تحيط بصاحبها خطيئته ، على أنه لا يمكن الاستخفاء منه تعالى ، فمن يعلم أنه تعالى يراه وراء الاستار في حنادس الظلمات وهو المؤمن الصادق فلا بد ان يترك الذنب والخيانة حياء منه تعالى أو خوفا من عقابه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ اي وهو تعالى شاهدهم في الوقت الذي يدبرون فيه من الليل ، ما لا يرضى من القول ، لأجل تبرئة أنفسهم ، ورمي غيرهم بخيانتهم وجريمتهم ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً لا يفوته شيء منه ، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه * * * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هذه الآية تدل على أن الذين أرادوا مساعدة بني أبيرق على اليهودي جماعة وان النهي عن الجدال عنهم موجه إلى هؤلاء وحدهم وان بدىء بخطاب النبي ( ص ) وحده . اي ها أنتم يا هؤلاء جادلتم عنهم وحاولتم تبرئتهم في الحياة الدنيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا يوم يكون الخصم والحاكم هو اللّه المحيط علمه بأعمالهم وأحوالهم وأحوال الخلق كافة ؟ اي لا يمكن أن يجادل هنالك أحد عنهم ، ولا أن يكون وكيلا بالخصومة لهم ، فعلى المؤمنين ان يراقبوا اللّه تعالى في مثل ذلك ولا يحسبوا ان من أمكنه ان ينال الفلج بالحكم له من قضاة الدنيا بغير حق ، يمكنه كذلك ان يظفر في الآخرة ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ